محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
802
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
والكعبة كالقطب الذي هو الإمام الحقّ ، والمساجد كالأبدال والمؤمنين من الرجال ، والحجر الأسود يمين اللّه في الأرض ، وعلى وزانه الكعبة وجه اللّه في الأرض ، ومقام إبراهيم قدم اللّه في الأرض ؛ وأمّا السعي بين الصفا والمروة وهما من شعائر اللّه يوازيان شخصين في هذا العالم أحدهما ينوب عن التنزيل والثاني ينوب عن التأويل ، والطالب يسعى بينهما ويستشعر شعارهما . وسرّ آخر : الحجّ والعمرة يضاهيان شخصين في هذا العالم ، وإتمام الحجّ والعمرة الائتمام بهما والتسليم لهما والتوكّل عليهما ، ويضاهيان موجودين في ذلك العالم ، وإتمامهما قبول الفيض منهما والتوجّه إليهما والتصوّر بصورتهما ؛ ولذلك قيل : العمرة هي الحجّة الصغرى كما قيل ليوم البراءة : يوم الحجّ الأكبر . وإنّما سمّي الأكبر لإتمامه برجل من الرجال كما ورد في الخبر : « يبلّغه رجل منك » فصار الحجّ به أكبر وصار اليوم به أزهر ، وصار الأذان به أشهر ، بقوله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أي أقيموهما بأركانهما ومواقيتهما مخلصين للّه ؛ ويضاهيهما إتمام الدين والشريعة للّه ، وإقامة التأويل والتنزيل لأمر اللّه ، واتباع صاحبهما على تقوى اللّه . فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ بالمنع عنهما فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ( 330 ب ) وهو ذبح بدنة أو شاة ؛ والهدي ما يهدى به ، وكذلك الهدي من هدي إليه ، وهو في التنزيل بدنة أو شاة ، وفي التأويل من عليه هدي الرشد والتقوى من المؤمنين هديا بالغ الكعبة ، وقد أحصر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن العمرة كما أحصر عليّ - رضي اللّه عنه - عن الإمامة . وقد أهدى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - هديا بالغ الكعبة ، ولم يجد عليّ الهدي ؛ فصام ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة بعد الرجعة تلك عشرة كاملة ، هم عشرة من الأشخاص صاموا صابرين في ذات اللّه حتّى زال الإحصار ، وصام النهار ، وظهر السرّ في العشرة الكاملة ، وطلعت الشمس من مغربها وأشرقت الأرض بنور ربّها ، وتمّ الحجّ والعمرة للّه ، وجمع الشمس والقمر من آيات اللّه ، والإشارات في القرآن أكثر من أن تحصى بالبيان واللسان ؛ وألطف من الأرواح في الأبدان عرفها من عرفها ، وجهلها من جهلها .